كشفت مصادر حكومية مطلعة لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن وجود محادثات مستمرة منذ عدة أشهر بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسلطة الفلسطينية، تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية المتوترة وحشد تعاون رام الله لتمرير مبادرات سياسية وتوسيع اتفاقيات إبراهيم في المنطقة. وتطمح السلطة الفلسطينية من خلال هذه اللقاءات إلى “تطبيع” علاقتها مع واشنطن بعد فترة طويلة من التهميش الجغرافي والسياسي للضفة الغربية. وتتمحور التحركات الحالية حول صياغة مذكرة تفاهم تسعى من خلالها واشنطن إلى تحويل مليارات الدولارات من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل إلى “مجلس السلام” الذي أنشأته الإدارة الأمريكية للإشراف على خطتها المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب وإعادة إعمار قطاع غزة، على أن تتولى السلطة إدارة القطاع لاحقاً بعد إنجاز إصلاحات شاملة وبنيوية تضمن غياب حركة حماس عن المشهد.
وتلعب المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في هذه الترتيبات؛ حيث تساعد رام الله في صياغة وتنفيذ خطط إصلاحية تراها الرياض شرطاً أساسياً لفتح مسار لا رجعة فيه لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو المسار الذي يرهن الجانب السعودي به مسألة تطبيع علاقاته مع إسرائيل. وتحظى الجهود السعودية بدعم مباشر من إدارة ترامب التي ترى فيها استكمالاً لرؤيتها الإقليمية. وفي هذا السياق، تنص مسودة مذكرة التفاهم المقترحة على تجديد الطرفين التزامهما بخطة ترامب، لا سيما البندين المتعلقين بحق تقرير المصير للفلسطينيين وإطلاق مفاوضات سلام ترعاها واشنطن بمجرد المضي قدماً في إعمار غزة، مقابل التزام فلسطيني بمعايير محددة لإصلاح أنظمة الرعاية الاجتماعية والتعليم ومكافحة التحريض، يقابله استعداد أمريكي لرفع العقوبات وبحث إعادة فتح البعثة الدبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والتي أُغلقت في الولاية الأولى لترامب.
ويقود هذه المحادثات الحساسة نيابة عن الجانب الفلسطيني أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وحسين الشيخ، بينما يمثل الإدارة الأمريكية كبار مسؤولي وزارة الخارجية أرييه لايتستون وسكوت ليث، بمشاركة دورية من صهر الرئيس جاريد كوشنر، وتنسيق غير مباشر مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي يقود جهود مجلس السلام، والمسؤولة السعودية الكبيرة منال رضوان. ورغم التقدم في صياغة البنود، فإن المفاوضات شهدت تباطؤاً ملحوظاً مؤخراً بسبب تردد واشنطن في توقيع وثيقة رسمية كمذكرة التفاهم، والاستعاضة عنها بتبادل رسائل ثنائية بين حسين الشيخ ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وهو التردد الذي تعزوه أوساط فلسطينية إلى ضغوط إسرائيلية ترفض رفع مستوى العلاقات الأمريكية مع رام الله وتشكك في جدية الإصلاحات الفلسطينية المتخذة.
وتبرز قضية مخصصات الأسرى والشهداء كأحد أعقد ملفات الخلاف؛ فبينما ألغت رام الله البرنامج المثير للجدل في فبراير من العام الماضي 2025 واستبدلته بنظام رعاية اجتماعية يعتمد حصرياً على معايير الفقر، أشار تقرير للخارجية الأمريكية صدر في أبريل الماضي—اعتماداً على مصادر إسرائيلية—إلى استمرار الدعم المالي بآليات جديدة، رغم أن التدقيق الغربي المستقل أكد سلامة التطبيق الفلسطيني. وتطالب إسرائيل حالياً بمنع أي مبالغ عن هذه العائلات مطلقاً، فيما تسعى واشنطن أيضاً لانتزاع التزام فلسطيني بوقف ملاحقة تل أبيب في المحافل القانونية الدولية وسحب القضايا المرفوعة ضدها، مقابل لغة فلسطينية تطالب بوقف الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. بالتوازي مع ذلك، تضغط واشنطن للموافقة على تحويل جزء كبير من عائدات المقاصة البالغة أكثر من 5 مليارات دولار إلى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (NCAG)، وهي هيئة تكنوقراط فلسطينية تابعة لمجلس السلام ستدير القطاع مؤقتاً، وهو ما وافقت عليه رام الله على مضض نظراً لأزمتها المالية الخانقة الناجمة عن رفض وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش تحويل أي أموال ودعوته الصريحة لانهيار السلطة الفلسطينية.
وتتعقد الحسابات الأمريكية بوجود تيار داخل وزارة الخارجية يفضل انهيار السلطة بدلاً من إصلاحها، إلا أن الإدارة تؤكد على نفعية السلطة مستشهدة بدعمها لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر الماضي والذي دعم خطة ترامب. ومع تعطل تحويل أموال المقاصة، تدرس واشنطن خيارات بديلة لتمويل مجلس السلام مثل الاستيلاء أحادي الجانب على الأموال الفلسطينية المحتجزة لدى إسرائيل أو توجيه مساعدات البنك الدولي لغزة عبر المجلس مباشرة. وتتطلع رام الله بحذر إلى الفتور الأخير في العلاقات بين ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بسبب الحرب مع إيران وحزب الله، مستحضرين تصريحات ترامب السابقة التي اعتبر فيها عباس أكثر رغبة في السلام من نتنياهو، في وقت تؤكد فيه الخارجية الأمريكية أن التدقيق وإتمام الإصلاحات الشاملة ووقف مدفوعات الأسرى يظلان شرطين أساسيين لأي استقرار مالي أو سياسي مستقبلي في المنطقة.










