الكاتب والمحلل السياسي ناصر حمًاد
حين يغرق الفضاء العام بالنقاشات والتساؤلات الكبرى حول طبيعة القضية الفلسطينية وخطورة حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، يبرز سؤال أكثر أهمية وإلحاحاً: ماذا بعد؟
إن حرب الإبادة الجماعية التي استهدفت قطاع غزة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حدثاً منفصلاً أو معركة محدودة الأهداف، بل تشكل جزءاً من مشروع سياسي وأمني وعسكري أشمل يستهدف القضية الفلسطينية برمتها والكيانية الوطنية الفلسطينية بمختلف مكوناتها. فما يجري في قطاع غزة ليس نهاية المطاف، وإنما محطة ضمن مخطط أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً ووطنياً بما يخدم أهداف الاحتلال وحلفائه.
لقد حظيت هذه الحرب بدعم سياسي وعسكري غير مسبوق من الولايات المتحدة وحلفائها، وارتبطت أهدافها الميدانية بأهداف سياسية استراتيجية تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الشعب الفلسطيني. ومع تعثر تحقيق العديد من الأهداف العسكرية والأمنية للحرب، برز الشق السياسي باعتباره المسار البديل لتحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية، من خلال الدفع نحو مشاريع وقوانين وترتيبات جديدة تحمل عناوين الإصلاح السياسي والقانوني.
ومن خلال قراءة متأنية وعميقة لهذه المشاريع، يتضح أنها تتجاوز حدود الإصلاح الإداري أو الدستوري المتعارف عليه، لتصل إلى محاولة إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني وإعادة تشكيل بنيته ومؤسساته الوطنية وفق رؤى وضغوط أميركية وأوروبية وإسرائيلية تتقاطع مع الترتيبات المطروحة لما يسمى “اليوم التالي” للحرب.
وتثير المشاريع الجديدة المطروحة جملة من الإشكاليات الوطنية والسياسية، وفي مقدمتها السعي إلى إعادة تعريف طبيعة الحركة الوطنية الفلسطينية وتحويل التنظيمات والفصائل الفلسطينية من حركات تحرر وطني تقود نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلى أحزاب مدنية تقليدية تعمل ضمن أطر وقواعد سياسية جديدة قد تتجاهل خصوصية الحالة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني المشروع في مقاومة الاحتلال وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفي هذا السياق تبرز المخاوف من أن تشكل بعض المشاريع القانونية والسياسية مدخلاً لإضعاف المرجعيات الوطنية الفلسطينية التاريخية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فالمنظمة ليست مجرد مؤسسة سياسية أو إدارية، بل هي الكيان الوطني الجامع الذي قاد المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، وحمل قضية الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
إن محاولات القفز عن منظمة التحرير الفلسطينية أو الالتفاف على دورها ومكانتها الوطنية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تمثل استهدافاً للكيانية السياسية الفلسطينية، وتنسجم مع محاولات استثمار نتائج الحرب على غزة سياسياً من قبل الاحتلال الإسرائيلي والداعمين له، بهدف إعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني بما يتوافق مع مصالحهم ورؤيتهم للمرحلة المقبلة.
وأمام هذه التحديات الكبرى، يبرز السؤال المركزي: ما المطلوب فلسطينياً في هذه المرحلة الصعبة؟
إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب بناء أوسع حالة وطنية وشعبية ممكنة، تقوم على الحوار والشراكة الوطنية، وتشارك فيها مختلف القوى والتيارات السياسية والمجتمعية دفاعاً عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وحمايةً للبرنامج الوطني الفلسطيني، وصوناً للهوية الكفاحية للحركة الوطنية الفلسطينية. كما تتطلب التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية وتطوير مؤسساتها وتعزيز دورها التمثيلي، باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني.
إن المرحلة الراهنة ليست مجرد مواجهة مع تداعيات حرب مدمرة، بل هي معركة على مستقبل القضية الفلسطينية وعلى هوية النظام السياسي الفلسطيني ومرجعياته الوطنية. ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي اليقظة تجاه كل المشاريع التي تسعى إلى إعادة صياغة الواقع الفلسطيني وفق شروط وإملاءات خارجية لا تنسجم مع إرادة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية الثابتة في الحرية والاستقلال وتقرير










