يرى مراقبون عسكريون أن إعلان حزب الله العودة إلى “تكتيكات الثمانينيات” في مواجهة التوغل الإسرائيلي الحالي جنوب لبنان، يمثل تحولاً إستراتيجياً يهدف إلى تحويل القرى والبلدات الحدودية إلى “مستنقع استنزاف” طويل الأمد. وترتبط هذه التكتيكات في الذاكرة العسكرية بعقد من العمليات النوعية التي بدأت بتفجير مقر الحاكم العسكري في صور عام 1982، وأسفرت عن انسحاب القوات متعددة الجنسيات ثم انسحاب إسرائيل إلى “الحزام الأمني”، معتمدة على مبدأ “إيلام الخصم بالخسائر المتراكمة” بدلاً من المواجهة النظامية الحاسمة.
ركائز الإستراتيجية: من السيارات المفخخة إلى “الثالوث القاتل” تعتمد العودة لهذه التكتيكات على ثلاثة محاور أساسية شكلت هوية الحزب القتالية في بداياته:
- تفعيل مجموعات الاستشهاديين: وهي الوحدات التي تستهدف النقاط المحصنة والتجمعات العسكرية بضربات ذات قيمة سياسية وأمنية عالية، كما حدث في تفجير ثكنات “المارينز” والمظليين الفرنسيين عام 1983.
- حرب العبوات الناسفة (IED): استخدام العبوات المرتجلة المموهة والمخصصة للأفراد والمدرعات، وهي أسلحة رخيصة التكلفة لكنها ذات أثر مدمر وتسبب “استنزافاً اقتصادياً ونفسياً” للجيوش النظامية.
- الثالوث التكتيكي: الجمع بين العبوات المزروعة على جوانب الطرق، والصواريخ المضادة للدبابات (مثل الكورنيت والياسين)، وصواريخ الكاتيوشا التي تضمن نقل المعركة إلى عمق الجبهة الداخلية للخصم.
الحرب الهجينة والضغط النفسي تطور حزب الله من قوة غير نظامية في الثمانينيات إلى “قوة هجينة” تجمع بين مرونة خلايا الكر والفر وبين الهيكلية العسكرية المنظمة. ويشير القيادي العسكري للحزب إلى أن “مهمة المجموعات الحالية هي الاشتباك المباشر لمنع تثبيت الوجود الإسرائيلي”، مستفيداً من دروس التاريخ التي أثبتت أن تراكم الخسائر البشرية في مجتمع “حساس للدماء” يؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة بالمهمة العسكرية والانسحاب، كما حدث في مايو 2000.
اليوم، ومع إضافة المسيرات الانتحارية (FPV) إلى هذا المزيج القديم، يسعى حزب الله لإعادة إحياء نموذج “العقد الدامي” لفرض معادلة قوامها أن “تكلفة البقاء في لبنان لا يمكن تحملها سياسياً”. ويبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة الجيش الإسرائيلي، الذي طور منظومات دفاعية متقدمة، على الصمود أمام إستراتيجية تعتمد على “البقاء والإيلام” عبر ضربات صغيرة لكنها مستمرة وموثقة إعلامياً لزيادة الضغط الشعبي.










