بين عشرات العلب المعدنية الصدئة في جنوب قطاع غزة، يقف المزارع محمد زعرب ليحول مخلفات الأطعمة التي تلقتها “التكايا” والنازحون إلى أوعية صغيرة تحتضن شتلات خضراء من النعناع، الفلفل، الباذنجان، والورود، مستبدلاً بها أكياس النايلون الزراعية المفقودة بسبب الحرب. وبدأت هذه الفكرة المبتكرة وقليلة التكلفة كتجربة محدودة داخل مشتله الصغير، لكنها سرعان ما لاقت إقبالاً كبيراً من المواطنين لتنتقل الشتلات إلى الخيام، أسطح المنازل، ومداخل مراكز النزوح، لتمنح النازحين مساحة نادرة للراحة البصرية وسط ركام الدمار المتواصل، فضلاً عن كونها أصبحت بديلاً اقتصادياً بأسعار رمزية تناسب الأسر المنهكة من الفقر والبطالة. وتواجه الزراعة في القطاع ظروفاً قاسية جراء تجريف الأراضي وقصف الحقول وغياب الأسمدة والمبيدات، مما أجبر المزارعين على الاعتماد كلياً على البذور البدائية المتوفرة محلياً.
ولم تقتصر هذه المبادرة على تزيين المحيط القاسي للنازحين، بل فتحت أيضاً باب رزق مؤقت للشبان العاطلين عن العمل، مثل الشاب ماهر العبادلة الذي يجر عربته الخشبية بين ممرات الخيام حاملاً العلب المعدنية الخضراء للبيع، مؤكداً أن الإقبال يزداد باستمرار لأن الناس سئمت مشاهد الخراب والرماد وباتت تبحث عن وردة أو نبتة نعناع أمام خيامها للتمسك بالحياة. وتأتي هذه المبادرات الفردية في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي أسوأ أزماته التاريخية؛ حيث أكد المتحدث باسم وزارة الزراعة، رأفت عسلية، أن الحرب دمرت أكثر من 80% من الأراضي الزراعية (ما يعادل 125 ألف دونم من أصل 178 ألف دونم قبل الحرب)، وتراجعت المساحات القابلة للزراعة الفعلية حالياً إلى أقل من 7 آلاف دونم فقط نتيجة عدم القدرة على الوصول للأراضي المتضررة وتدمير شبكات الري والآبار بالكامل. كما طال الدمار المشاتل المركزية في بيت لاهيا، بيت حانون، والمناطق الشرقية لغزة وخان يونس ورفح، ورغم المحاولات الخجولة للفلاحة في وسط القطاع وخان يونس، يواجه المزارعون عقبات مميتة تشمل استمرار القصف، فرض المناطق العازلة، والنقص الحاد في المياه والوقود والأسمدة، لتبقى هذه العلب الصدئة وثيقة صمود حية تؤكد أن الحياة تشق طريقها من قلب الركام.










