free web stats

بمراحيض بدائية ووسائل قهرية.. نازحو غزة يكافحون للحفاظ على كرامتهم وسط غياب شبكات الصرف الصحي

إبراهيم مسلممنذ ساعتينآخر تحديث :
بمراحيض بدائية ووسائل قهرية.. نازحو غزة يكافحون للحفاظ على كرامتهم وسط غياب شبكات الصرف الصحي

يواجه آلاف النازحين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء بقطاع غزة أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة جراء الغياب التام للمراحيض الصحية وشبكات البنية التحتية الأساسية، مما دفع العديد من العائلات المثقلة بالهموم إلى ابتكار وإنشاء مرافق صرف بدائية للغاية داخل خيامهم المتهالكة، في محاولة مريرة للحفاظ على الحد الأدنى من الخصوصية والكرامة الإنسانية وسط واقع معيشي بالغ القسوة والتعقيد. وفي هذا المشهد القاسي، يروي المواطن مصطفى شعبان البالغ من العمر 38 عاماً، والمقيم في خيمة متواضعة غرب مدينة غزة بعد نزوحه من شرقها، كيف اضطر لصناعة مرحاض بدائي لعائلته عبر حفر حفرة في الرمال وتثبيت بلاطة خرسانية حولها يعلوها دلو بلا قاع ومقعد بلاستيكي متهالك، مخفياً هذا الحيز الضيق خلف ستارة قماشية بسيطة داخل الخيمة التي تجمع شمل العائلة وتضم مكاناً واحداً للنوم وإعداد الطعام.

ورغم الروائح الكريهة والمقززة التي تنبعث باستمرار من هذه الحفرة المرتجلة وانتشار الحشرات والذباب والبعوض بجوار مكان نوم أسرته، إلا أن شعبان يجد نفسه مضطراً لتفريغ حفرة الصرف يدوياً وبشكل دوري كل أسبوع، مؤكداً في شهادته لـ”وكالة سند للأنباء” أن هذا الحل المقيت والمؤلم يظل في نظره أكثر رحمة وحفظاً لكرامة والدته وشقيقاته من استخدام المراحيض العامة المهينة والمزدحمة في المخيمات. وتشير والدته من جانبها بحرقة إلى أن الحصول على حمام نظيف وآمن بات بالنسبة لهم كمرضى يعانون من السكري يفوق في أهميته وإلحاحه توفير الطعام والماء، لا سيما في ظل التآكل السريع للمكونات الخرسانية البدائية واضطرارهم لإصلاحها باستمرار كلما توفرت لديهم بضعة شواكل لتأمين مستلزمات الصيانة الإنشائية.

ولا تقتصر المعاناة على الجوانب الصحية والنفسية فحسب، بل تحولت المستلزمات الإنشائية البسيطة إلى عبء مالي باهظ يعجز عن تحمله الغالبية العظمى من المواطنين، حيث يتراوح سعر مقعد المرحاض الخزفي التقليدي في الأسواق بين 1700 و2000 شيكل، وهو مبلغ خيالي يفوق القدرة الشرائية لعائلات فقدت كل ما تملك، مما يدفعهم للاعتماد على حلول ترقيعية كالدلاء المثقوبة والمقاعد البلاستيكية الرخيصة، بينما يكتفي آخرون باستخدام الحفر الأرضية المكشوفة مباشرة دون أي تجهيزات حماية. وفي مخيم آخر بحي الصبرة بمدينة غزة، يعكس النازح خالد كلاب هذا الواقع المأساوي بقضاء ساعات طويلة من يومه في محاولة يائسة لإزالة مياه الصرف الآسنة والمتجمعة بكثافة قرب خيمته، معتمداً على مرحاض مشيد من مخلفات ومواد مستهلكة لعدم قدرته على تحمل تكاليف تجهيز أفضل، ومختصراً لسان حال آلاف النازحين بأن هذه المرافق لا تورثهم سوى مزيد من الانكسار والشعور بالإهانة يوماً بعد آخر.

وتعيش الغالبية العظمى من النازحين في القطاع، والذين تُقدر أعدادهم بنحو 1.7 مليون شخص، في بيئات ومخيمات عشوائية تفتقر بالكامل لأدنى مقومات النظافة والصرف الصحي، مما يضطر عائلات بأكملها لمشاركة مرافق متهالكة لا تستوفي الشروط الطبية، في وقت تشهد فيه المراحيض العامة طوابير انتظار طويلة وممتدة على مدار الساعة، تزداد مشقتها وقسوتها على النساء والأطفال مع حلول الليل نظراً للمخاوف الأمنية الحادة وصعوبة التنقل في العتمة. وتتزامن هذه الأزمة الكارثية مع تقارير حقوقية تؤكد أن أكثر من 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي في قطاع غزة باتت خارج الخدمة تماماً ومدمورة بفعل الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، مما يرفع من وتيرة تجمّع المياه العادمة بين الخيام ويفاقم مخاطر تفشي الأوبئة والأمراض الفتاكة في بيئة شديدة الاكتظاظ، وسط عجز المشاريع الإنسانية المحدودة عن سد الفجوة الهائلة في ظل استمرار الحصار وتعثر جهود الإعمار، وقيام بعض الحرفيين محلياً بصناعة ألواح معدنية رخيصة كبديل تجاري بسيط لتسهيل التنظيف والتخفيف من وطأة الأزمة.

الاخبار العاجلة