أصدرت مؤسسة “چيشاة – مسلك” الحقوقية، اليوم الخميس، تقريرًا جديدًا بارزًا بعنوان “تنكيل بعد الموت”، كشفت فيه عن استمرار السلطات الإسرائيلية في احتجاز جثامين فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة قضوا داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وأكد التقرير أن هذا الاحتجاز يجري خارج إطار القانون ومن دون سياسة حكومية منظمة، وسط رفض رسمي لتقديم معلومات للعائلات حول أسباب الاعتقال أو الظروف التي أدت إلى الوفاة.
ويركز التقرير على الجهود القانونية التي تبذلها المؤسسة منذ أكثر من عامين للمطالبة بالإفراج عن جثامين ثلاثة معتقلين من سكان غزة. وأوضحت المؤسسة أن هذه السياسة تشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقانون الإسرائيلي على حد سواء، وتعد مساسًا بحقوق الموتى وعقابًا تعسفيًا لعائلاتهم الثكلى.
غياب المبرر السياسي والقانوني
وفقًا للتقرير، دأبت السلطات الإسرائيلية على تبرير احتجاز الجثامين بذريعة استخدامها كأوراق تفاوض في ملف الأسرى والمفقودين. إلا أن المؤسسة أكدت أن هذا الواقع قد تغير؛ فبعد استعادة جميع المختطفين ورفات المفقودين الإسرائيليين من قطاع غزة في كانون ثاني 2026، أقرّت الحكومة الإسرائيلية في ردودها القانونية الأخيرة بعدم وجود سياسة منظمة تتيح احتجاز الجثامين لهذا الغرض في الوقت الحالي، ومع ذلك، تواصل احتجازها فعليًا كـ “ورقة مساومة مستقبلية”.
ظروف احتجاز غير إنسانية وأرقام صادمة
ونقل التقرير شهادات قاسية ومروعة أدلى بها معتقلون مفرج عنهم ومحامون زاروا مراكز الاحتجاز منذ تشرين أول 2023، وتشمل:
التعذيب المنهجي: ممارسات تشمل الأذى النفسي والجسدي، والعنف الجنسي.
سياسات التنكيل: تجويع متعمد، واكتظاظ شديد، وحرمان تام من الرعاية الطبية الأساسية.
حصيلة الوفيات: أشار التقرير إلى وفاة أو مقتل ما لا يقل عن 104 فلسطينيين أثناء الاحتجاز، من بينهم 68 معتقلًا من سكان قطاع غزة.
إخفاقات سلطوية وتضليل ممنهج
يستعرض التقرير ثلاث قضايا رئيسية تعكس ما وصفه بـ “الإخفاقات الخطيرة والمقلقة” في سلوك السلطات الإسرائيلية، وتتمثل في تقديم معلومات مضللة، ومماطلة التحقيقات، وفقدان الجثامين:
قضية رامي (اسم مستعار): صنفته السلطات في البداية خطأً كـ “مقاتل غير قانوني”، ليتبيّن لاحقًا أن الجثمان الذي بحوزتها لا يعود له أصلًا، وطالبت العائلة بتقديم عينات DNA لتحديد مكانه، مما يعكس فوضى إدارية داخل أجهزة الاحتلال.
قضية خالد (اسم مستعار): رُغم إجراء تشريح للجثة بحضور طبيب من طرف العائلة، فرضت السلطات تعهدًا بالسرية على الطبيب، مما يحرم العائلة حتى اليوم من معرفة الأسباب الحقيقية للوفاة.
قضية أيمن (اسم مستعار): أنكرت السلطات في البداية أي مؤشرات على اعتقاله، قبل أن تتراجع لاحقًا وتعترف بأنه توفي داخل المعتقل وأن جثمانه محتجز لديها.
البعد الإنساني: عائلات ممزقة بين الفقد والانتظار
يتضمن التقرير شهادات حية توثق المعاناة النفسية العميقة لعائلات المتوفين في قطاع غزة. ويروي شقيق المعتقل المتوفى “رامي” معاناته بعد أن بات أبًا بديلًا لأطفال شقيقه الذين فقدوا والدتهم واثنين من إخوتهم في قصف إسرائيلي سابق، قائلًا:
“لم ينجُ من العائلة سوى جمال وسهى.. لقد نجوا بأجسادهم، لكن قلوبهم مجروحة. يسألون مرارًا وتكرارًا بألم حارق: أين أبي؟ متى سنتمكن من وداعه؟”
مطالبات حقوقية عاجلة
في ختام تقريرها، وجهت مؤسسة “چيشاة-مسلك” مطالب واضحة ومباشرة للسلطات الإسرائيلية والمجتمع الدولي، تشمل:
الإفراج الفوري عن كافة جثامين المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين دون قيد أو شرط وإعادتهم لعائلاتهم.
الشفافية الكاملة عبر تقديم معلومات دقيقة حول ظروف الوفاة وأماكن تواجد الجثامين.
تحقيق مستقل: ضمان إجراء تحقيقات فعالة وشفافة ونزيهة في كافة حالات الوفاة داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
المساءلة القانونية: تقديم المسؤولين عن حالات القتل أو الإهمال الجنائي الطبي إلى العدالة ومحاسبتهم.










