يمر المشهد الفلسطيني والإقليمي بمنعطف هو الأخطر منذ عقود، حيث تتداخل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مع تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في الأراضي المحتلة. يستغل الاحتلال انشغال العالم بالصراع الإقليمي لتمرير مخططات حسم الصراع على الأرض، سواء عبر التشريعات العنصرية أو التوسع الاستيطاني المتسارع.
أولاً: القدس والمقدسات.. انتهاك “الوضع القائم”
شهدت العاصمة المحتلة تطوراً خطيراً وغير مسبوق بمنع بطريرك اللاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا، من دخول كنيسة القيامة لإقامة قداس “أحد الشعانين”. هذا الإجراء، الذي وصف بأنه “الأول منذ قرون”، يمثل ضربة قاصمة للوضع القانوني والتاريخي القائم (الستاتيكو)، ويعكس سياسة ممنهجة لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتقويض التعددية الدينية في المدينة.
ثانياً: الضفة الغربية.. استيطان “تحت غطاء الدخان”
تتحول الضفة الغربية حالياً إلى ساحة لسباق محموم مع الزمن، حيث استولى الاحتلال على مساحات شاسعة من المناطق المصنفة (ج). تشير البيانات إلى أن 61% من مساحة الضفة باتت تحت السيطرة الأمنية والمدنية المباشرة للاحتلال، مع تحويل 18% منها إلى مناطق تدريب عسكري تُستخدم كغطاء لإقامة بؤر استيطانية جديدة. وقد سجل شهر مارس وحده مئات الاعتداءات التي نفذتها ميليشيات المستعمرين، مستهدفة القرى الفلسطينية في الخليل ونابلس عبر حرق الممتلكات والترهيب الميداني لدفع السكان نحو التهجير القسري.
ثالثاً: ملف الأسرى.. القتل البطيء والتشريع الجنائي
يواجه الأسرى الفلسطينيون تهديداً وجودياً مزدوجاً؛ فمن جهة، صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون “إعدام الأسرى” في خطوة تمييزية واجهت تنديداً أوروبياً واسعاً. ومن جهة أخرى، تستمر سياسة الإهمال الطبي المتعمد، وهو ما تجلى في الحالة الصحية الحرجة للأسير المحرر رياض العمور، الذي يعاني من تداعيات جرائم طبية استمرت 23 عاماً داخل السجون.
رابعاً: الحرب الإقليمية.. سلاح جديد وضحايا مدنيون
دخلت المواجهة مع إيران شهرها الثاني، وشهدت تطوراً تقنياً لافتاً باستخدام الجيش الأمريكي لصاروخ “بريزم” (PrSM) لأول مرة قتالياً. ورغم الترويج لدقته، إلا أن الصاروخ أصاب منشآت مدنية (مدرسة وصالة رياضية) في مدينة لامرد الإيرانية، مما أثار جدلاً دولياً حول استخدام أسلحة تجريبية في مناطق مأهولة.
على الصعيد الدولي، برزت مواقف لافتة؛ أهمها إغلاق إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المهاجمة لإيران، في خطوة تستحضر دروس حرب العراق، تزامناً مع انتقادات حادة من بابا الفاتيكان الذي اعتبر أن “الرب لا يقبل صلوات من يشنون الحروب”.
خامساً: الحراك الدبلوماسي والمواقف الإقليمية
دبلوماسياً، برز لقاء الوفد الفلسطيني برئاسة حسين الشيخ مع وزير الخارجية السعودي في الرياض، حيث أكدت فلسطين تضامنها مع المملكة والأردن ضد أي اعتداء خارجي، بينما جددت السعودية التزامها بأن القضية الفلسطينية تظل “القضية المركزية”، مع استمرار الجهود لحشد اعترافات دولية بدولة فلسطين وتنفيذ حل الدولتين.
سادساً: التحليل الإستراتيجي (رؤية المبادرة الوطنية)
وفقاً لتحليلات سياسية فلسطينية (مصطفى البرغوثي)، فإن نتنياهو يتعمد إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعتها لتشمل لبنان وسوريا وإيران، وذلك لتحقيق أربعة أهداف: فرض الهيمنة الإسرائيلية، تصفية القضية الفلسطينية، السيطرة على موارد المنطقة، وضمان بقائه السياسي الشخصي في السلطة.
سابعاً: لقطة دولية (خارج النطاق الإقليمي)
في سياق بعيد جغرافياً ولكنه مرتبط بملفات الديمقراطية، تشهد الكاميرون تضييقاً أمنياً بمنع تكريم المعارض الراحل أنيسيت إيكاني، بينما يتمسك الرئيس السنغالي الأسبق ماكي سال بترشحه لقيادة الأمم المتحدة رغم التحفظات الأفريقية والاتهامات الداخلية، مما يعكس حالة الاضطراب العام في السياسة الدولية.
إن استمرار الحرب الإقليمية يوفر بيئة مثالية لليمين الإسرائيلي المتطرف لتسريع عمليات الضم والتهويد. ويتطلب هذا الواقع حراكاً دولياً يتجاوز الإدانة اللفظية إلى فرض عقوبات حقيقية لوقف تقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.


