في ظل عجز اللغة عن الإحاطة بجسامة ما يحدث في غزة، انطلقت في مدينة البندقية الإيطالية فعاليات معرض فني فريد من نوعه ضمن “البينالي” العالمي، حيث تُعرض “جدارية حرب الإبادة في غزة” (Gaza Genocide Tapestry). المشروع الذي تنسقه الصحافية الغزية جيهان الفرا والمصمم إبراهيم مهتدي، يمثل صرخة صامتة ومنظمة، تشارك فيها نساء فلسطينيات من الداخل المحتل ومخيمات الشتات في لبنان والأردن، لتوثيق تدمير القطاع عبر “الإبرة والخيط”.
تتكون الجدارية من 100 لوحة مطرزة، تضم كل منها نحو 55 ألف غرزة، لتشكل في مجموعها شهادة بصرية حية تأبى النسيان. وتروي اللوحات تفاصيل إنسانية مؤلمة؛ من وداع خالد نبهان لحفيدته “روح الروح”، إلى طوابير الجوع في التكايا، وصور الأسرى المعصوبي الأعين. ويهدف المشروع، الذي تم بالتعاون مع “متحف فلسطين بالولايات المتحدة”، إلى تحويل الصور العابرة على شاشات الأخبار إلى عمل فني تاريخي يستغرق إنجازه أسابيع من الجهد المضني، كنوع من الإصرار على تخليد ذكرى الضحايا ومنع “أنسنة” الإبادة من خلال الاختزال اللغوي.
ويأتي اختيار عنوان المعرض الذي بدأ في 9 مايو ويستمر حتى نوفمبر 2026 في “قصر مورا” تحت مسمى “غزة – لا كلمات – انظر إلى المعرض”، ليعكس الفجوة بين قدرة الفن على تقديم الشهادة الحية وعجز الأنظمة السياسية عن إيقاف المأساة. وتعد هذه الجدارية امتداداً لمشروع تاريخ فلسطين الذي بدأ عام 2011، لكنها اليوم تكتسب بعداً وجودياً جديداً؛ حيث تحولت المطرزات من مجرد “راويات” للقصة إلى “موضوعات” لها بعد انقطاع الاتصال بزميلاتهن داخل غزة جراء القصف، لتظل الغرزة الفلسطينية هي الحارس الأخير للحكاية والوصية.










